العمل في الأوساط الضيّقة: الأخطار والجو ووقاية HSE
تطرح الأوساط الضيّقة (الحفر، الخزانات، البالوعات، الصوامع) أخطاراً نوعية: جو ناقص، اختناق، غرق. ويتطلب التنظيم رخصة عمل وإجراءات وقاية صارمة.

العمل في الأماكن المحصورة: المخاطر الجوية والوقاية في مجال الصحة والسلامة المهنية
1. ما المقصود بالأماكن المحصورة؟
الأماكن المحصورة هي أماكن مغلقة أو مغلقة جزئياً، غير مصممة للإقامة والعمل المستمر داخلها، ولكن قد تستدعي الضرورة دخولها من حين إلى آخر لإجراء أعمال الصيانة أو التفتيش أو التنظيف أو غيرها من المهام المهنية. وقد تشكل خطراً بسبب تصميمها أو موقعها أو ضعف التهوية أو المواد الموجودة فيها أو المعدات المستعملة أو طبيعة العمل المنجز داخلها.
من أمثلتها:
- الخزانات والصهاريج وأوعية التخزين.
- قنوات الصرف الصحي والمجاري والغرف تحت الأرض.
- الصوامع والقواديس والمفاعلات الصناعية.
- الحفر والأنفاق وبعض القنوات التقنية.
- الغلايات والحاويات وبعض معدات المعالجة الصناعية.
لا تتساوى جميع الأماكن المحصورة في مستوى الخطورة. لذلك، يجب إجراء تقييم خاص للمخاطر قبل السماح بالدخول إلى أي مكان منها.
2. المخاطر الرئيسية المرتبطة بالأماكن المحصورة
2.1. المخاطر الجوية
قد يصبح الهواء داخل المكان المحصور خطيراً بسبب نقص الأكسجين أو ارتفاع تركيزه، أو وجود غازات سامة، أو تراكم الغازات والأبخرة القابلة للاشتعال.
تشمل أهم المخاطر ما يلي:
- نقص الأكسجين: قد يؤدي إلى اضطراب القدرة على اتخاذ القرار، وفقدان الوعي، والوفاة. يحتوي الهواء الجوي العادي على نحو 20.9% من الأكسجين. ويعتبر المعهد الفرنسي للبحث والسلامة المهنية أن انخفاض تركيز الأكسجين إلى أقل من 19% يمثل بالفعل حالة جوية غير طبيعية. ويجب تحديد حدود الإنذار والسماح بالدخول وفق التشريعات المعمول بها وتقييم المخاطر وإجراءات الموقع.
- ارتفاع تركيز الأكسجين: يزيد من احتمال نشوب الحرائق وشدتها، لأن المواد قد تشتعل بسهولة أكبر وتحترق بصورة أكثر عنفاً.
- كبريتيد الهيدروجين (H₂S): غاز شديد السمية، قد يوجد في شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه العادمة وبعض العمليات الصناعية.
- أحادي أكسيد الكربون (CO): غاز سام عديم اللون والرائحة، قد ينتج عن عمليات الاحتراق.
- أبخرة المذيبات: قد تسبب التسمم الحاد وتهيج الأنسجة وأضراراً صحية أخرى. وقد تشكل أيضاً خطراً للحريق أو الانفجار بحسب طبيعة المادة وتركيزها.
- الميثان (CH₄): غاز قابل للاشتعال والانفجار. كما يمكن أن يؤدي إلى إزاحة الأكسجين، مما يسبب خطر الاختناق.
قد تتغير تركيبة الهواء أثناء العمل، ولذلك لا يكفي دائماً إجراء قياس واحد قبل الدخول.
2.2. المخاطر الميكانيكية والفيزيائية
قد يتعرض العاملون أيضاً إلى:
- السقوط من ارتفاع أو داخل الحفر.
- الانزلاق والتعثر والسقوط على الأسطح المبتلة أو الملوثة.
- الانطمار أو الدفن تحت المواد السائبة.
- الحركة أو التشغيل المفاجئ للآلات.
- المخاطر الكهربائية.
- درجات الحرارة المرتفعة والرطوبة والإجهاد الحراري.
- صعوبة الدخول والخروج ومحدودية الحركة.
2.3. مخاطر الإنقاذ والطوارئ
قد تجعل الأماكن المحصورة التدخل أثناء الطوارئ صعباً للغاية. فالمداخل الضيقة وضعف الرؤية وخطورة الجو ومحدودية مساحة الحركة قد تعرقل إنقاذ المصاب بسرعة.
كما أن محاولة إنقاذ شخص دون المعدات والتدريب المناسبين قد تعرض عمالاً آخرين للخطر نفسه.
3. تقييم المخاطر قبل الدخول
قبل السماح بالعمل داخل مكان محصور، ينبغي للمشغّل أو المسؤول عن الموقع تقييم المخاطر المرتبطة بالمكان والمهمة والمعدات والعمليات المحيطة.
ويجب أن يشمل التقييم ما يلي:
- طبيعة المكان ونقاط الدخول والخروج.
- المواد التي كانت موجودة سابقاً والبقايا والملوثات المحتملة.
- تركيز الأكسجين واحتمال وجود غازات سامة أو قابلة للاشتعال.
- الأنابيب والقنوات والآلات ومصادر الطاقة الخطرة المتصلة بالمكان.
- طبيعة العمل، بما في ذلك اللحام والتنظيف واستعمال المواد الكيميائية.
- متطلبات التهوية واحتمال تغير الظروف الجوية أثناء العمل.
- وسائل الاتصال وإجراءات الطوارئ وإمكانية تنفيذ الإنقاذ.
يجب مراجعة تقييم المخاطر عند تغير ظروف العمل أو ظهور خطر جديد.
4. الترخيص بالدخول وإجراءات العمل
تعد إجراءات الدخول الموثقة وتصريح العمل داخل الأماكن المحصورة من وسائل التحكم المهمة في المخاطر. فهي تساعد على التأكد من تقييم الأخطار وتوفير الاحتياطات المطلوبة والحصول على موافقة الشخص المختص قبل بدء العمل.
لكن لا ينبغي اعتبار تصريح الدخول إلزاماً قانونياً عاماً في جميع الحالات بالمغرب دون التحقق من التشريعات المطبقة على النشاط والمنشأة والقطاع المعني. فقد يصبح التصريح إلزامياً بموجب نصوص خاصة أو شروط تعاقدية أو إجراءات الموقع.
بحسب تقييم المخاطر، ينبغي أن تحدد إجراءات العمل ما يلي:
- طبيعة المهمة والمدة المسموح بها.
- الأشخاص المصرح لهم بالدخول.
- متطلبات العزل وتأمين مصادر الطاقة.
- كيفية قياس الغازات ومراقبة الجو.
- متطلبات التهوية ومعدات الوقاية الشخصية.
- مهام المراقب الموجود خارج المكان.
- وسائل الاتصال وإجراءات الطوارئ.
- الحالات التي تستوجب إيقاف العمل وإخلاء المكان.
لا يجوز دخول المكان قبل التحقق من تطبيق الاحتياطات المطلوبة.
5. قياس الغازات ومراقبة الجو
يعد قياس مكونات الجو من التدابير الأساسية للوقاية.
5.1. قبل الدخول
يجب استخدام جهاز مناسب لكشف الغازات، خاضع للصيانة والتحقق، لتقييم الجو قبل الدخول. وبحسب الأخطار المحددة، قد تشمل القياسات ما يلي:
- تركيز الأكسجين.
- الغازات والأبخرة القابلة للاشتعال.
- غازات سامة محددة، مثل كبريتيد الهيدروجين وأحادي أكسيد الكربون.
- الملوثات الأخرى المرتبطة بالمواد والعمليات الموجودة.
ينبغي إجراء القياسات على مستويات مختلفة عند الحاجة، لأن الغازات قد تتجمع بشكل متفاوت بحسب كثافتها ودرجة الحرارة والتهوية وشكل المكان.
5.2. أثناء العمل
قد تتغير الظروف الجوية نتيجة طبيعة المهمة أو تحرر بقايا المواد أو حدوث اضطراب في العمليات أو تعطل التهوية.
لذلك، يجب تحديد الحاجة إلى المراقبة المستمرة أو القياسات المتكررة بناءً على تقييم المخاطر وإجراءات العمل المعمول بها.
كما يجب أن يكون جهاز الكشف مناسباً للمواد المراد قياسها، وأن تتم صيانته واختباره ومعايرته وفق تعليمات الشركة المصنعة والمتطلبات ذات الصلة.
تنبيه مهم: لا يكفي قياس الأكسجين وحده للتأكد من سلامة الجو. فوجود تركيز طبيعي من الأكسجين لا ينفي احتمال وجود غازات سامة أو قابلة للاشتعال.
6. التهوية وعزل مصادر الخطر
6.1. التهوية
يمكن أن تساعد التهوية الميكانيكية المناسبة على الحفاظ على ظروف جوية مقبولة وإزالة الملوثات. ويجب اختيار نظام التهوية وفق طبيعة المخاطر، مع التأكد من أنه لا يؤدي إلى إدخال أخطار إضافية.
لا تعوض التهوية عن قياس الغازات أو عزل مصادر الخطر أو المراقبة المستمرة عندما تكون هذه التدابير ضرورية.
6.2. عزل مصادر الطاقة والمواد الخطرة
قبل الدخول، يجب تحديد مصادر الطاقة والمواد التي قد تتسرب أو تدخل إلى المكان، ثم اتخاذ التدابير اللازمة لعزلها والتحكم فيها.
قد تشمل الاحتياطات، بحسب طبيعة المنشأة:
- فصل مصادر الطاقة الكهربائية والميكانيكية وتأمينها.
- عزل الأنابيب ووصلات العمليات الصناعية.
- منع التشغيل أو الحركة المفاجئة للمعدات.
- تأمين الأنظمة المضغوطة.
- منع الغمر أو التدفق المفاجئ للسوائل والغازات والمواد السائبة.
يجب التحقق من فعالية العزل قبل بدء العمل، واختيار طريقة العزل وفق التجهيزات الفعلية والمخاطر المحددة.
7. معدات الوقاية الشخصية
يجب اختيار معدات الوقاية الشخصية بناءً على تقييم المخاطر. وقد تشمل:
- خوذة السلامة والملابس الواقية.
- القفازات المناسبة وأحذية السلامة.
- وسائل حماية العينين والوجه.
- أجهزة حماية الجهاز التنفسي المناسبة للملوثات المحددة.
- حزام أمان كامل الجسم ومعدات الاسترجاع والإنقاذ عند الحاجة.
- معدات ملائمة للأجواء القابلة للانفجار عندما تقتضي المخاطر ذلك.
يجب ألا يتم اختيار معدات حماية الجهاز التنفسي بناءً على الراحة أو التوفر فقط. بل يعتمد الاختيار على نوع الملوث وتركيزه ومستوى الأكسجين وظروف العمل والمتطلبات المعمول بها.
أجهزة التنفس المزودة بمرشحات لا توفر الأكسجين، ولذلك لا يجوز استخدامها في الأجواء التي تعاني من نقص الأكسجين. وعندما يشير تقييم المخاطر إلى وجود جو خطير مباشرة على الحياة أو إلى خطر نقص الأكسجين، فقد تكون هناك حاجة إلى جهاز تنفس مزود بالهواء أو جهاز تنفس مستقل، مع توفير أشخاص مدربين ونظام إنقاذ مناسب.
8. دور المراقب الموجود خارج المكان
عندما يقتضي تقييم المخاطر أو إجراء العمل ذلك، يجب أن يبقى مراقب مدرب خارج المكان المحصور طوال مدة العملية.
وقد تشمل مهامه:
- الحفاظ على الاتصال مع العاملين داخل المكان.
- مراقبة سير العمل والظروف ذات الصلة.
- منع دخول الأشخاص غير المصرح لهم.
- تفعيل إجراءات الطوارئ عند الضرورة.
- طلب المساعدة وتزويد فريق الإنقاذ بالمعلومات اللازمة.
لا يجوز للمراقب الدخول إلى المكان لمحاولة الإنقاذ إلا إذا كان مدرباً ومجهزاً ومصرحاً له بذلك وفق خطة إنقاذ مناسبة. فالدخول العشوائي قد يؤدي إلى وقوع ضحايا إضافيين.
9. التخطيط للطوارئ والإنقاذ
يجب إعداد خطة للإنقاذ قبل بدء العمل. وينبغي تكييفها مع طبيعة المكان والأخطار المحددة والموارد المتاحة.
يجب أن تحدد الخطة ما يلي:
- طريقة إطلاق الإنذار.
- كيفية الاتصال بخدمات الطوارئ أو فريق الإنقاذ المعتمد.
- معدات الإنقاذ المتوفرة في الموقع.
- أدوار ومسؤوليات الأشخاص المدربين.
- طريقة إخلاء العاملين أو إخراج المصاب.
- ترتيبات الإسعافات الأولية والمساعدة الطبية.
يجب فحص معدات الإنقاذ ووسائل الاتصال قبل الدخول. كما ينبغي تدريب العاملين وأفراد الإنقاذ على الإجراءات المناسبة، واختبار ترتيبات الإنقاذ عندما يقتضي تقييم المخاطر أو القواعد المعمول بها ذلك.
يجب الاتصال بخدمات الطوارئ عند الضرورة، مع عدم بناء خطة الموقع على افتراض أن فرق الإنقاذ الخارجية ستصل فوراً.
10. التدريب والكفاءة المهنية
يجب أن يتلقى جميع المشاركين في العمل داخل الأماكن المحصورة تدريباً مناسباً لمسؤولياتهم.
وقد يشمل التدريب:
- التعرف على أخطار الأماكن المحصورة.
- فهم إجراءات الدخول والتصريح عند استخدامه.
- استعمال أجهزة كشف الغازات وقراءة نتائجها.
- تطبيق إجراءات العزل وتأمين مصادر الطاقة.
- اختيار معدات الوقاية الشخصية واستعمالها.
- الحفاظ على الاتصال مع المراقب الخارجي.
- التعرف على علامات الخطر والإخلاء الآمن.
- فهم إجراءات الطوارئ والإنقاذ.
ينبغي دعم التدريب النظري بتدريب عملي عندما تقتضي طبيعة المهمة أو المعدات أو ترتيبات الطوارئ ذلك.
11. الإطار التنظيمي المغربي والمراجع التقنية
يجب تقييم العمل داخل الأماكن المحصورة في المغرب بالاستناد إلى مقتضيات مدونة الشغل المعمول بها، والنصوص الخاصة بالقطاع عند الاقتضاء، والمتطلبات المرتبطة بالمنشأة والنشاط المعني.
يتعلق القرار المغربي رقم 1281-18 الصادر بتاريخ 15 مارس 2018 بالمراقبات العامة الدورية لبعض المعدات والآلات. لذلك، لا ينبغي الاستشهاد به باعتباره نصاً يفرض بصفة عامة تصريح الدخول إلى الأماكن المحصورة.
يمكن الاستفادة من المراجع التقنية الدولية والأجنبية في إعداد إجراءات الوقاية، لكن يجب التمييز بين قيمتها التقنية ونطاقها القانوني. ومن أمثلتها:
- المعهد الفرنسي للبحث والسلامة المهنية: يقدم إرشادات تقنية بشأن أخطار الأماكن المحصورة والوقاية منها والتخطيط للإنقاذ.
- المعيار التنظيمي الأمريكي OSHA 29 CFR 1910.146: يحدد متطلبات الأماكن المحصورة التي تستوجب تصريحاً بالدخول ضمن نطاق تشريعات السلامة المهنية الأمريكية. ولا يجوز تقديم حدود الأكسجين أو أحكام التصريح الواردة فيه على أنها متطلبات عالمية أو مقتضيات قانونية مغربية.
ينبغي للمشغلين التحقق من المتطلبات القانونية السارية على نشاطهم ومنشآتهم قبل اعتماد إجراءات العمل.
الخلاصة
قد يؤدي العمل داخل الأماكن المحصورة إلى التعرض لأخطار جوية قاتلة ومخاطر ميكانيكية وصعوبات كبيرة أثناء الإنقاذ. وتتطلب الوقاية الفعالة تقييماً خاصاً للمخاطر، وعزل مصادر الخطر، وقياس مكونات الجو، وتوفير التهوية المناسبة، وتدريب العاملين، وضمان الاتصال الفعال، وإعداد خطة إنقاذ قابلة للتنفيذ.
المبدأ الأساسي واضح: لا يجوز الدخول إلى المكان المحصور قبل تقييم مخاطره، والتحقق من تطبيق تدابير الوقاية المطلوبة، والتأكد من جاهزية ترتيبات الطوارئ.
المصادر ومراجع للاطلاع
-
منظمة العمل الدولية — قاعدة بيانات ناتلكس، مدونة الشغل المغربية:
https://natlex.ilo.org/dyn/natlex2/r/natlex/fe/details?p3_isn=67319 -
المعهد الفرنسي للبحث والسلامة المهنية — الأماكن المحصورة: معلومات أساسية:
https://www.inrs.fr/risques/espaces-confines/ce-qu-il-faut-retenir -
إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية — الأماكن المحصورة التي تستوجب تصريحاً، المادة 29 CFR 1910.146:
https://www.osha.gov/laws-regs/regulations/standardnumber/1910/1910.146
